وفي الغالب تبدأ الجائحة بسبب نشاط الوباء المستمر (epidemic) في بقعة ما ثم يتتسع شيئا فشيئا لتصبح جائحة.
من ملاحظاتي كطبيب وعلى مدى 25 عاما أجد أن الجوائح التنفسية هي الأخطر على حياة البشر لأنها تنتشر بسرعة ويمكن أن تنتقل وتنتشر على بقعة كبيرة في البلد الواحد ويمكن أن تتعداه لتجتاح العالم وما حالة تفشي السارس الصيني 2003 الا مثالا يذكر في الجوائح التنفسية.
قلت وليس عنا ببعيد جائحة أنفلونزا الخنازير (2009-2010) التي أنطلقت من المكسيك وكانت أمريكا الشمالية الأكثر تأثرا بها حيث أصاب الفيروس ملايين البشر حول العالم بعض التوقعات تقول بأنه أصاب نصف مليار أنسان بدرجة متفاوته من الشدة وتم التشخيص المخبري الدقيق في حوالي 2 مليون أنسان وتسببت في وفاة حوالي نصف مليون أنسان بحسب المركز الأمريكي ولا يعرف بالدقة عدد الوفيات في الصين وتسبب في أنفاق عالمي على لقاح تجريبي له له قارب 10 مليار دولار أمريكي
ولو رجعنا لتاريخ الطب الحديث سنجد أن جائحة الأنفلونزا الأسبانية مابين عامي 1917-1918 تسببت في مقتل 25 مليون أنسان وهناك تقارير أنها قتلت 30 مليون صيني حيث كان الجنوب الصيني البؤرة التي أنطلق منها ذلك الوباء الرهيب ومن الثابت علميا أن فيروس الأنفلونزا الأسبانية هو من العائلة التاجية أنتقل من الخنازير الصينية إلى البشر.
أن أنتشار الجائحة التنفسية هو أمر مرهق للغاية للنظام الصحي والعاملين فيه من طواقم طبية وتمريضية وهو من أهم مسببات أنهيار النظام الصحي العام وحتى شلله التام.
يقول الدكتور محسن بن سليمان العطيات العطوي أن صمود أي نظام صحي أمام الجولة الأولى من الجائحة التنفسية يعتمد على صمود وثبات 5 ركائز أساسية وهي بعدد أصابع اليد الواحدة (مفهوم الدكتور محسن العطوي في قمع الجوائح التنفسية) وهي الركائز التي تصنع الفرق الكبير في حياة الناس حتى يتوفر لقاح ناجع للجائحة وهو أمر لا يتوفر في الجولة الأولى مع الجائحة وقد يستغرق أنتاج لقاح مخصوص ما بين 6-12 شهرا في المعدل وقد لا يتوفرعلى الأطلاق.
1- أرشادات وتوصيات لرفع وعي الناس وأدراكهم لطبيعة الجائحة
هذا الأمر في غاية الأهمية ويجب التركيز وبشكل مبكر على تثقيف الناس عن الجائحة وسلسلة العدوى وماهي السبل المتوفرة للتقليل من رقعة أنتشارها على أن يتولى ذلك الأمر المختصين هذا الشأن لتكون رسالة واحدة واضحة واستعمال كل وسائل التواصل الممكنة ولا شك أن تثقيف الناس بضرورة غسل الأيدي بالماء والصابون 40 ثانية من أهم الأجراءات على مستوى الفرد والأسرة.
2-أدوات ووسائل الحماية الشخصية
أن توفر وسائل الحماية الشخصية والتي تشمل القفازات وأقنعة الوجه والرداء المعقم من الأمور الحاسمة ويجب أن تتوفر وعلى مدار الساعة لجميع العاملين في المجال الصحي.
الفشل في توفيرها أو التأخر في توريدها في تصوري أنه خطأ قاتل لأنه يحول الطاقم الطبي إلى مخزن متنقل للجائحة وقد يؤدي إلى تفشي الجائحة في الطاقم الطبي نفسه مما يفاقم من خطورة الجائحة.
أن توفر المعقمات والمطهرات الشخصية لا يقل أهمية عن توفر وسائل الحماية الشخصية. أن توفر المعقمات اليدوية لها دور حاسم في القضاء على مسببات الجوائح التنفسية الفيروسية ويجب أن تتوفر في كافة المتاجر والصيدليات وهناك أنواع ممتازة من المعقمات اليدوية تقضي على نحو 95% من الجراثيم والفيروسات وعليه أرى من الأمن الصحي الوطني وجود مصانع وطنية يتم توجيهها وصرف الأموال لها لكي تعمل على توفيرها وعلينا عدم الركون إلى أحتكار الموردين والشركات لأن ذلك يؤدي إلى سرعة نضوبها من السوق وحتى التأخر في طرحها في السوق مما ينشأ عنه سوق سوداء بغيضة.
3- أسرة العنايات المركزة
أن توفر العدد الكافي من أسرة العناية المركزة أمر حاسم في مواجهة الجائحة التنفسية وليس كل من يتم تنوميه فيها سيخضع لتنفس صناعي .
يمكن إيضا الأستفادة من وحدات ذات الأعتمادية العالية لتقوم مقام العناية المركزة في حال نفاذ أسرتها.
ليس هناك معيار عالمي عن عدد أسرة العناية المركزة ونسبتها للسكان وعليه نجد تفاوتا كبيرا في تلك النسبة فعلى سبيل المثال نجد أن النسبة الأعلى في اليابان وكوريا الجنوبية هناك 12 سرير لكل 1000 مواطن (12:1000) ثم تأتي روسيا وألمانيا وفرنسا فهناك 8 أسرة لكل 1000 مواطن (8:1000) ثم بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا والصين 4 أسرة لكل 1000 مواطن (4:1000) أما أمريكا وجارتها كندا فهما الأقل نسبة عالميا بل وتحت المتعارف عليه في الأنظمة الصحية الجديدة حيث نجد سريران فقط لكل 1000 مواطن (2:1000)
اما في مملكتنا الغالية فحسب آخر بيانات وزارة الصحة فهناك سرير واحد لكل 1000 مواطن (1:1000) وهناك خطة طموحة لدى الوزارة لرفع نسبة الأسرة لعدد المواطنين وصولا للحد الأدنى المقبول عالميا وهو 3 أسرة لكل 1000 مواطن (3:1000)
4- أجهزة التنفس الصناعي
يمكن القول أن 50% من المرضى المنومين في العنايات المركزة يحتاجون لتنفس صناعي يمتد من 3 إلى 7 أيام في المتوسط.
وتعتبر اليابان الأعلى عالميا في توفر أجهزة التنفس الصناعي حيث بلغت 35 ألف جهاز تليها روسيا ب 30 ألف جهاز ثم ألمانيا 25 ألف جهاز ثم أمريكا 15 ألف جهاز ثم بريطانيا وفرنسا ب 8 آلاف جهاز
وليس عندي معلومات عن عدد أجهزة التفس الصناعي في مملكتنا الغالية.
لا شك عندي أن توفر مخزون وطني من أجهزة التنفس الصناعي يدخل ضمن الأمان الصحي الوطني وهو يصنع فارقا كبيرا في أنقاذ الكثير من الأرواح وفي دولة بحجم مملكتنا الغالية فان مخزونا وطنيا بحدود 1000-2000 جهاز هو رقم معقول وليس بالضرورة أن تكون هذه الأجهزة من النوع باهض الثمن.
5-الأطباء والممرضات (الطواقم الطبية المتخصصة)
واقصد هنا توفر اعدادا مناسبة من المختصين في العناية المركزة من أطباء وممرضات وأنه من المؤسف ومن مشاهدتي لوضعنا الصحي العام أن نجد تكدسا رهيبا في تخصصات -مع أحترامي وتقديري لكل تخصص طبي- و شح شديد في عدد أطباء وممرضات العنايات المركزة بالرغم من أن كليات الطب لدينا تخرج وفي كل عام ألوفا من الأطباء المتميزين ومثلها كليات التمريض ولاشك عندي ان هذا خلل خطير للغاية في بنية نظامنا الصحي العام يجب أصلاحه وعلى الفور.
نعم أنها ركائز 5 - كما آراها وأعتقد بها - أن كانت جيدة وقوية فأنها وبعون الله تمنع أنهيار النظام الصحي وبالتالي أنقاذ الكثير من الأرواح.
تصبحون على ألف خير